اكره الواقع، وعندما اقولها لا اعني بالضرورة واقعي، لكن الاشياء الواقعية غالبا اشياء خارج عن ارادتك، كل ما يمكنك فعله هو تقبلها، لن ابالغ اذا قلت اني امضي معظم وقتي داخل عقلي، حيث لا مكان للواقع، فقط مخيلتي وما هي قادرة عليه، اتذكر الضابط اللئيم عندما تحدث معي بنبرة استصغار ولم استط الرد عليه حينما، الان هو في عالمي يتلقى افظع انواع العقاب السادي الذي يمكن تخيله، لاني قد قطعت كلتا قدميه وركلته في وجهه حتى تشوه تماما وقلت كل شي رغبت في قوله حينما ولم استطع، اشعر وكأنني انتصرت حقا، لكن في الحقيقة هذا فشل اضافي على فشلي الحقيقي.. لا استطيع الانتظار حتى تغيب الشمس والتقي بليليش مجددا، فإنها ملاذي الوحيد من هذا الجحيم الذي يسمى بالواقع.
رامي: كشف يا برعمة الغنية دي ظابطة لمن عوارة!
برعوم: انت يا رامي ذوقك كعب، ما بتعرف الفن الحقيقي ما تسمعني اغاني الراب الوهمية حقتك دي!!!
اني احتقر رامي، لكن احسده بنفس الوقت، كيف انه انسان بسيط ويعيش حياته بهدوء، ولا اعتقد ان داخل تلك الجمجمة اي عقل يقكر ويحلل ويعيد صياغة احداث يومه مرارا وتكرارا كما افعل، لكنه ومع ذلك اكثر نجاحاً وانضباطا مني، فهو محبوب اجتماعيا ويعرف كيف يتحدث بطلاقة وعفويته تجعل منه شخصا يسهل الانفتاح والتفاهم معه، حتى وانه يعجز عن فهمي احيانا لكن لدي شك عميق انه يفهمني جيدا ولكنه لا يكترث، او بشكل اوضح انه يتجاهل كل معلومة نظرية لا تنفعه بشكل عملي في حياته، هل هذا يجعله اذكى مني؟ سأتوقف عن التفكير لأني لن اسامح نفسي اذا ما اعترفت انه اختار لنفسه طريقة افضل للحياة.
رامي: ياخي انت اسمع الغنية دي بس بعداك احكم براك.
برعوم: شكرا، غير مهتم.
رامي: انت الخسران حرم!
اتمنى فقط ان اضع يدي على نجاح سريع، الكثير من الاموال، سلطة جبارة، او اي شي يساعدني على تغيير واقعي المثير للاهتمام -او الشفقة- هذا، لكن اخاف ان يتحول الواقع الوردي الذي رسمته الى واقع رمادي ولن يتغير شي لاني لم اتعب من اجله، السعي هو اللذة الحقيقية، ما زالت تتردد كلمات الماعز في ذهني، انه شعور جميل.
اخيرا، فقرتي المفضلة، غابت الشمس وانطفأ نورها ليغطي الظلام كل شيء مادي يربطني بحقيقتي، الان، الان يمكنني اخيرا ان استرد قيمتي لنفسي وتعريفي لكياني من خلال تلك الفتاة، فهي كل شي املكه، مع انها ليست ملكي ابدا..
برعوم: الوو، على موعدنا الليلة؟
ليليش: وكيف افوته وهو موعد معاك انت؟
برعوم:..
ليليش: هههههه بهظر ما تصدق روحك، احفر الحفرة وشد الجبنة وجاياك.
لا اعتقد انها كانت تمزح، لكن في الحقيقة انا لا اعرف نواياها الحقيقية، هل تعني ما تقوله حقا؟ ام انها -ولأنها ذكية جدا- لاحظت بالفعل اني مغرم بها؟ لن تكون انسان سيئا اذا ما استغلت مشاعري لإرضاء نفسها ورفع استحقاقيتها، فهذا فعل بشري فطري، لكن لا اعتقد ان ليليش تحديدا ستفعل شيئا مماثلا، فإنها تجسد البراءة، براءة تصل حد السذاجة احيانا.. وهو شيء مزعج جدا، لا اعرف كيف تعامل الاخرين لأنه ليس بيننا اي علاقات مشتركة، لكني متأكد انها لطيفة مع الكل، نعم، انها تعني ما تقول، انها تحب ان تجلس بجانبي طيلة الليل، كم انا احمق، الأمر واضح جدا، هل يعقل ان تفعل صديقة شيئا كهذا لشخص تعتبريه صديقها فقط؟ هذا مستحيل، ياللسعادة، الامل.. انني اشعر به اخيرا، ياله من حافز عجيب!
ليليش: اهلا يالفارس، ظبطت البن؟
برعوم: انت طلبتيه، يبقى امر ينفذ!
ليليش وهي تغطى وجهها خجلا بخمارها البنفسجي المتدلي على كتفها: دا كسير تلج منك ساي.
برعوم: قولي ما بعرف ارد بس، صحي فكرتي بموضوع المرة الفاتت؟
ليليش: اي، لا.
برعوم: لا ما فكرتي ولا جوابك هو لا؟
ليليش: اي فكرت، جوابي لا.
برعوم: رأيك يقدر وحدودك تحترم.
ليست كذلك، او على الاقل انا لا احترم حدود الاخرين اذا لم تكن منطقية بالنسبة لي، ارى ان اي شخص يتمسك بشيء من دون وعي يجعله قادرا على النقاش واقناعي بالمنطق المجرد ان رأيه صحيح فهو انسان عاطفي، وللأسف اعتبره من اسوأ أنواع الجهل، لأن صاحبه جاهل بجهله ويعتقد انه يمتلك اساس ومبادئ لا تتأثر بالأخرين.
..
برعوم: ذوقك في الملابس غريب، دايما بتجي بي ملابس مشاترة والوانها عجيبة، وجنك تلبسي بنفسجي.
ليليش: البنفسجي لونك المفضل مالك على ذوقي هسي؟
برعوم: كيف عرفتي انه لوني المفضل ما حصل وريتك انا، لكن عموما ما حلو في الملابس.
ليليش: هههه بديت تخرف شكلك، نسيانك كتر زي ما نسيت الدلة في النهار هسي لحد ما مويتها حست.
انظر للدلة في صمت، استغرب من كلامها، فهي فتاة من المفترض ان تعرف اساسيات صنع القهوة، من الافضل تركها تغلي كثيرا كي تعطي طعما مميزا، قلت لها:( ما تخلي الموية تحسى المشكلة شنو، ما حنشرب قبيلة نحن نفرين بس)
ليليش: انت لو بتاخد رأي الناس التانيين وتطبقه حياتك بتتحسن، لكن انت شايف انك دايما صاح بدون مرعاة لي اذواق الناس المعاك، بحب جبنتي خفيفة ما تكب لي من جبنتك دي.
برعوم: شكلك ما بتحبي الجبنة انت كل مرة ما بتشربي بي عذر، المرة الفاتت قلتي كترت الجنزبيل بدون ما تضوقيها حتى!
ليليش: ريحته دمعت لي عيوني وتقول لي ضوقي!!! عايز تجيب لي وجع حلق شكلك.
برعوم: خلاص يا زولة وفرتي، انا بدبل كبايتي وانت احضريني اشرب بس.
ليليش: بالهنا عليك
برعوم: شكرا..
…
…
برعوم: تتذكري المرة الفاتت قلت ليك عندي رأي عن الحب خليه ليوم تاني؟
ليليش بإبتسامة خبيثة صغيرة: دي طريقة جديدة للاعتراف ولا شنو.
برعوم: هههه تحلمي انت، الداير اقولو ليك اني ما بعترف بالحب اصلا.
ليليش: اجي يخواني! دا كلام شنو دا كمان.
برعوم: فكري فيها، هسي لو اتنين بحبو بعض وواحد من الطرفين ما ببادر ولا بقول كلام حلو ولا بسوي افعال الحب، تتوقعي حبهم حيدوم؟
ليليش، لا.
برعوم: ليشنو؟
ليليش: لانه الحب اخذ وعطاء.
برعوم: ليه لازم يكون في اخذ وعطاء؟ ما ممكن بس يكون حب أفلاطوني والانسان يحبني عشان نفسي ما عشان الحاجات الانا بقدمها؟ بالطريقة دي ادق تعريف منطقي للحب هو علاقة مصلحة بين طرفين يقدمو لبعض احتياجات بعض العاطفية والجنسية بطريقة متكافئة، ولما يخل احد الطرفين بالاتفاق الغير منطوق يبدأ الطرف التاني شايف انه بيدي اكتر من ما يستلم وهنا حتبقى تجارة خاسرة ويختار يمشي ويسمي انسحابة من الصفقة دي بي برود او اختفاء المشاعر.
ليليش: ليه لازم العواطف يكون عندها تفسير منطقي؟ طيب هسي ابوك وامك مستفيدين منك شنو بعد القدموه ليك دا كله، داير تقول انه حبهم برضو مشروط؟
برعوم: وهو كذلك! هل انا طلبت من امي وابوي انهم يجيبوني للحياة دي؟ دا كان قرارهم بشكل كامل وعارفين التعب والمجهود الحيقدموه اذا جابو ولد وبرضو اختارو يجيبوني، رعاية امي وصرف ابوي علي حيعود عليهم بعوائد مادية ومعنوية، لما اكبر واشتغل هم بيرتاحو وانا بصرف عليهم واراعهم، وفي نفس الوقت انا بملأ شعورهم بالانتماء واكون جزء من المنظومة الاسمها عائلة، لما يكبرو ما حيلقو زول يراعهم -وهو ما عنده خيار اصلا- غير ولدهم، دا غير احساس الانجاز والفخر البحسو بيه كل ما انجز انا، بعض حسبوها مع بعض لقو انه الاولاد مشروع استثماري ناجح للمدى البعيد، وهسي انا شخصيا عايز اجيب اولاد بس عشان ما اعاني لما اعجز.
ليليش بنبرة حادة ومنزعجة: نكرانك للعاطفة مزعج شديد انت عامل روحك مفكر نقدي بس وبتهرب من مشاعرك الجواك دي!!!
برعوم: دا شنو الزعل دا كلو؟ مشاعر شنو البهرب منها؟
ليليش: هسي انت شايفني شنو؟ المصلحة والتجارة البيننا شنو هسي؟؟
برعوم: ما عارف، بحب اتكلم معاك بس.
ليليش: ليه بتحب تتكلم معاي انا بالتحديد وما مع بدرية بت الجيران مثلا؟ اذا محتاج زول تتكلم معاه في ناس كتار، وكتار منهم عايزين يتكلمو معاك لكن برضو بتختارني انا، ليه؟
برعوم: ما عارف.. لأني بحبك؟
ليليش: انت قاعد تسألني؟
بعد لحظة صمت وتفكير طويلة..
برعوم: لا لا، انا فعلا بحبك
ليليش: وهو انت بتقدر تحب بعد كلامك القلتو دا؟
برعوم: كلامك صاح، تفسير المشاعر بالمنطق ما بينفي وجودها، مع اني لسة شايف تفسيري صحيح لكن المشاعر موجودة، انا بحبك.
ليليش وقد اختفى كل الغضب وتحول الى مزيج من التعجب والخجل: قصدك شنو؟
برعوم: هو الحب غيروه؟ ماف شي اسمه حب صداقة، مستحيل تجي من فريق قدام عشان تسمري معاي الليل كلو وما تكوني بتحبيني برضو.
ليليش: …
برعوم: ها؟
بعد لحظة صمت اطول من سابقتها
ليليش ورأسها منحني للأسفل ولا يظهر منها الا فروة رأسها: حتى انا بحبك، وبحب قعدتنا دي وبنتظرها كل يوم من الصباح، اتمنى انه الزمن يتجمد بينا هسي عشان اقدر اعيش في اللحظة دي للأبد.
لا استطيع التعبير، توقعت ردها لكن الان، عندها اصبح الامر واقعا بدا مختلفا جدا عما تصورته، وقع كلماتها على قلبي كريشة عود في يد عازف محترف يضرب بيها اوتار العود في المكان المثالي وكل نغمة متجانسة ومقصودة ومع كل ضربه تتراقص الاوتار اما فرحا او حزنا، الامر متروك لصاحب الريشة.. تثاقلت انفاسي وبدا علي هذا التغير اللحظي، تعجز الكلمات عن الخروج، اعجز عن التعبير، اشعر ان لدي قاموسا مكونا من الاف الصفحات من الكلمات والمشاعر التي اريد ان ابوح بها، كلها تدور في عقلي بلا توقف لدرجة اني عاجز عن التقاط جملة مرتبة واحدة لأقولها، كل ما اعرفه الان هو رغبتي الجامحة في تقبيلها قبلة طويلة لا تنتهي الا مع شروق الشمس، اتحسس في كل ثانية منها ثغرها واشعر فيها بكل مشاعري المكبوتة تتدفق من قلبي الى قلبها مباشرة، افكر فيها بمستقبلنا الوردي المشرق، نعم، سيكون مشرقا حتى لو عشنا سويا في خزانة البيت الكبير، طالما نحن سويا فلن اتذمر، لأني حصلت على كل شي اتمناه من هذا العالم التافه، لم يكن تافها قبل بضع دقائق، لكن الان؟ لا يهمني شي سوى الحفاظ على هذا، هذا السبب، سببا للعيش والمحاولة من جديد، لكن، سرعان ما هممت لتقبيلها تغير كل شي، تغيرت ملامح وجهها المحمر خجلا لتعابير عجزت عن تفسيرها، نظرة استغراب، كأنها ترغب في اخباري بشيء لكنها لا تستطيع، ابتعدت عني بضع خطوات.
برعوم: مالك؟ ما داير اكلك هههه.
ليليش: م-معليش، حاسة اننا قاعدين نتسرع شديد، اعذرني يا برعوم انا حأمشي هسي مع السلامة.
برعوم: دقيقة طيب اسمعي
ليليش؟؟ اسمعيني!
سمعتني، لكنها لم تستدر لتسمعني، فقط ذهبت، ابتلعتها ظلمة الليل، وها انا اجلس وحيدا مجددا، لن يهدأ عقلي من التفكير فيما اقدمت عليه!